إذا كانت أوعية وأدوات المعرفة تطورت... هل واكبها المؤلف؟!



كثيرة هي مبتكرات الإنسان واكتشافاته التي نبعت عن حاجة حقيقية وجودية له، فمنذ الأزل توقف الإنسان البدائي أمام معضلة الخوف والهروب الدائم من محيطه وبيئته التي وجدت فيها مخلوقات أخرى تشاركه العيش ومثلت أول تهديد لحياته ووجوده، هذا التهديد هو الذي منعه من الابتكار والتميز لعقود طويلة، بل جعلت منه مطارد وطارد، مطارد من الحيوانات المفترسة التي تهاجمه في كل حين وتريد إلتهامه، وطاردا وراء الفرائس التي يتغذى منها ويجد قوته وملبسه بواسطتها. هذه الحالة التي امتدت لتاريخ طويل مع الإنسان كان لها أن تتوقف، لتبدأ حقبة جديدة، فظهرت إرهاصات هذا التحول منذ انبثاق الاكتشاف الأول للنار والسيطرة عليها والقدرة على التحكم بها، ورغم أن هناك كثير من علماء الإحاثة والآثار يعتقدون بان هذا الكشف تم بالمصادفة التامة وليس نتيجة لجهد حقيقي من هذا الإنسان، إلا أنه من دون شك بتمكن الإنسان من تسخير النار والسيطرة عليها تغلب على الحيوانات الأشد فتكا به، وكانت حقبة الهروب المتواصل والخوف من هذه الحيوانات قد تلاشت تماما بمجرد إيقاد النار، عدد من الكتب التي درست الإنسان وتطوره الفكري، تذكر أن الإنسان شعر بقوة النار وفائدتها منذ كان يشاهد الغابات وهي تحترق بسبب عوامل طبيعية مثل البرق أو شدة الحرارة، فكانت تشوي الكثير من الحيوانات، فتصل رائحة الشواء الزكية لأنفه فيتغذى من هذا اللحم الذي وجده أكثر ملائمة للغذاء بدلا من تناول اللحم دون طهي، ويقال بان هذه العملية تمت قبل أن يتمكن الإنسان من التحكم بالنار، حيث كان الإنسان البدائي يتجول في الغابات بعد أن تخمد الأمطار حرائقها ويبحث بين الأشجار المحترقة لعله يجد الحيوانات النافقة وقد شويت بالنار. عموما جميع هذه الأقوال تخضع لآراء ونظريات وقليل ما يرفدها من الواقع أو ما تم وضع اليد عليه ليدعم مثل هذه الآراء. ولكن الذي يعنينا في هذا السياق هو أمر آخر ومختلف تماما، وهو موضوع جوهري يتعلق بالكتابة وتطورها. لأن هذا الإنسان منذ ذلك الفجر وعند تمكنه من تسخير النار لخدمته تبدلت حياته تماما وبات أكثر استقرار، وتمكن من السيطرة على الكثير من الحيوانات لتخدمه. وتتالت فيما بعد جملة من المبتكرات والاكتشافات، مثل العجلة، ورغم أن البعض في عالمنا اليوم قد يرى فيها شيئا متواضع بل ومضحك، إلا إنها في تلك الحقبة الزمنية كانت كشف مدوي وعظيم بكل ما تعني الكلمة، ويعدها البعض أنها مخترع – إذا صحت التسمية – لا تقل أهمية عن اكتشاف النار، وفي المجمل أن بعض من بديهيات هذا العصر، كانت في تلك الحقبة شيئا أشبه بالمعجزة بل المعجزة نفسها بكل ما تعني الكلمة. بدأ الإنسان يستقر في الكهوف، وبدأت تتسع أفكار للزراعة وتربية المواشي، وعلى الأثر بدأ يشعر بالحاجة للكتابة والتدوين، دون أن يعرف هذا اللون أو طبيعة هذه الحاجة، وقادة تفكيره – العقل – لاستنتاج فكرة الرسم على تلك الكهوف، فكان يرسم كل شيء حتى يتذكر المهام المنوط القيام بها، وكان يرسم المعارك والصراعات التي تقع بين بعضهم البعض أو بينهم وبين الحيوانات المفترسة، فيتم تمجيد وتخليد الأبطال منهم، وكان أيضا يرسم مواسم الزراعة والمحاصيل ، بل وتدوين الحدود بين القبائل مثل ما تم الكشف عنه من نقوش، أرجع العلماء تاريخها إلى العصر البرونزي في اسكندنافيا.

بداية الكتابة

وجود هذا العقل البديع في رأس الإنسان مكنة من القيام بوظيفة حيوية وهي التفكير، وهو ما يعني تخزين المعلومات وحفظها والاستفادة من تراكم الخبرات، لذا حاول حفظ هذه الخبرات، فأخترع النقوش ثم تطور لاختراع الكتابة نفسها عبر تاريخ طويل في عمر البشرية، وفي تلك البدايات لم يخرج عن الطبيعة التي تحيط به، فأستخدم الأحجار المسطحة للرسم عليها وهو بهذا نقل اختراعه لوسيلة جديدة وهي أن تكون نقوشه متنقلة وليست ثابتة مثل الكهوف في الجبال، ثم بدأ في استخدام جلود الحيوانات في الكتابة، ثم أنتقل لاستخدام أوراق الأشجار والخشب والعظام، ومضت سنوات طويلة في تطور مستمر وإن كانت بطيئة حتى وصل لاكتشاف الطريقة التي بواسطتها يستطيع تحويل لحاء نوع من الأشجار – البردي - إلى الورق بعد عملية صناعية بدائية بدأت في مصر القديمة ثم انتقلت إلى اليونان وايطاليا، وتم تطويرها حتى انتشرت في العالم بأسره بعد عدة قرون.  وهذا نحن في هذا العصر نشاهد ونسمع الكثير من الآراء التي تفيد بان عصر الورق انتهى وأن العالم يتجه نحو التقنيات الحديثة، والألواح الالكترونية في الكتابة والقراءة، بل ذهب البعض لأكبر من هذا وتنبأ بنهاية قريبة للكتب والصحف الورقية أمام مد النشر الالكتروني والصحف الالكترونية، وأهمية مثل هذه الآراء انها جاءت من شخصيات كبيرة في مجال صناعة النشر، مثل عملاقة الصحافة الملياردير الشهير روبيرت مردوخ، الذي قال:" ستختفي الصحافة الورقية بحلول عام 2020م". وكانت آرائه صادمة بالنظر إلى أن ما يفصلنا عن هذا التاريخ نحو خمسة أعوام فقط. لكن لنذهب إلى فيليب ماييرز، وهو مؤلف كتاب: النهاية التحمية للإعلام الورقي، حيث قال : " إن آخر مطبوع ورقي سيصدر في عام 2043". وهو بطبيعة الحال منحنا وقت أكبر نحو 28 عاما، لكن دلالات هذا التحول ماثلة برؤيتنا لعدد من الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية تتوقف وتتحول للنشر الالكتروني.

أمام هذا جميعه يتضح أن وسائل المعرفة وأدواتها مثل الكتابة والتأليف تطورت بما لا يجعل مجالا للشك، فهل بقي المؤلف نفسه في مكانه أم هو تطور أيضا ؟ إذا كانت الكتابة نفسها مرت برحلة تاريخية طويلة ضاربة العمق في أغوار الزمن، فكيف بمن يصنع هذه الكتابة ويمارسها؟ من المؤكد أنه – المؤلف – هو الآخر يمر بمراحل من التطور والتقدم، ويساعد على مثل هذه التطور طبيعة الكتابة والتأليف، كونها تعطي أسرارها تباعا لكل من يمنحها الاهتمام الكافي من وقته بمساحة يومية للقراءة والإطلاع والتعمق في الكتابات الأخرى. فضلا عن التلذذ بالمنتج الإنساني وتذوق عمقه وسبر أغواره، هذا الإخلاص والوفاء في مضمار الأدب لا يتم مكافأته عادة إلا بوهج إبداعي في النصوص التي ستكتبها وتقوم بتشكيلها.  الذي لا مجال للشك فيه أن وسائل المعلومات وطرقها تطورت، وآليات المعرفة نفسها تعددت، فلم تعد الكتب بتلك الندرة، ولم تعد الأفكار بذلك البطء في التنقل والاستفادة منها.. ففي عصر الهواتف الذكية حدث تطور معرفي شامل، وعندما أقول شامل فهو يعني كافة الأدوات المستخدمة في التأليف، ففي الوقت الذي كان نشر كتاب يعد مشروع العمر، بل فكرة أن يقرأ منجزك مجموعة من الناس انجاز عظيم، باتت في عصر اليوم أبسط بكثير مما تتخيل، بل حتى مسيرة الكتابة وفق التقنيات الحديثة نفسها تطورت بشكل مهول، وإذا أخذنا شبكة الانترنت ووعائها المعرفي كمثال، سنجد ما كان يعرف بالمنتديات كان لها الصوت الأقوى، ثم انتشرت المدونات، ثم انهار هذا جميعه أو هو في طريقة نحو التلاشي أمام مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر والفيسبوك والانستغرام، وغيرها الكثير – وهناك من يتوقع خفوت لهذه المواقع أمام مد الصورة والصوت مثل كيك وسناب - هذه المواقع جعلت الكاتب أيا كان، هو صانع للنص، للحدث، وبالتالي، باتت صنعة الكتاب وإخراجه للنور رغم أهميتها إلا إنها أكثر سهولة، ولا تنسى الكتب الالكترونية التي بدأت في الانتشار، بل بات البعض يتوجه نحوها تاركا النشر الاعتيادي.

معضلة الأنا

أمام هذه التحولات الجسيمة القوية الجارفة، في جوهر النشر، وجوهر الكتابة نفسها، هل تمكن المؤلف من مسايرة هذا الزخم؟ هل تمكن من ابتكار أساليب إبداعية حديثة؟ من المؤسف أن تكون الإجابة سلبية - قد يختلف البعض –المؤلف عندما يبدأ أولى خطواته قد يتطور معرفيا، بمعنى قد ينشر نصا اعتيادي فيجد النقد والعديد من الملاحظات على نصه، وعندما يقرر نشر منجز آخر هو في الحقيقة يستفيد من خبراته السابقة في تلافي الأخطاء، فيظهر منجزه الثاني أكثر إبداع أكثر دقة وحيوية، وهكذا تجد المؤلف كوعاء ذاتي شخصي خاص للتجارب فيزداد هو خبرات وإبداع، وفي الحقيقية الذي حدث هنا أن المؤلف على النطاق الشخصي تطور، تطورت تجربته، تطور نصه. لكنه فشل في التبشير بهذه الخبرات، فشل في عملية حيوية وهامة وهي التنوير، والدلالة على هذا من الواقع وأمام جملة من كبار الأسماء الأدبية في العالم برمته، كم واحدا منهم أخذ على عاتقه ونفسه تقديم برامج معرفية للمجتمعات، فقدم خبراته ومعارفه. التقنيات الحديثة تفيد في هذا السياق ويمكن لأي مؤلف عظيم أن يجلس خلف كاميرا كمبيوتره ويسجل توجيهاته وخبراته، ويبثها على شبكة الانترنت، فهل هناك مبادرات في هذا السياق؟ توجد جهود من البعض ومع الاحترام للجميع هي مبادرات تأتي ممن هم في طريقهم للصعود نحو سلم الإبداع، لكن أؤلئك الذين تربعوا على هرم اللغة والنصوص الجميلة، بعيدين تماما - دون تعميم - بقيت حالة تطور المؤلف كما أشرت ذاتية شخصية خاصة به، لكن لم يحدث حراك معرفي توعوي إرشادي، لأن المؤلف يموت وهو يحتفظ بالسر، فلا يذيعه، ولا يعلم به أحد، والذي يحدث دوما تأتي جموع من الفتيات والشباب ويبدءون مرة أخرى في الصعود لسلم معالجة النص والتعامل مع الكلمة، فيمرون بنفس المراحل الطويلة التي مر بها ذلكم المبدع الهرم، الذي قرر الموت بصمت وسكون... وكأن المؤلف يجتر نفس الخطوات، ويستلهم نفس المراحل، ويمر بنفس الخطوب والمشاكل والعقبات، دون تطور ودون تقدم، بينما أوعية المعرفة تجاوزت هذا المؤلف، والذي يخشى منه أن يكونوا الناس أنفسهم الذين يكتب لهم المؤلف، سبقوه، فلم يعد يلهمهم، ولم يعد يقدم لهم ما يلهم خيالهم ويؤثر في واقعهم...

لمشاهدة المادة من المصدر أضغط على الرابط التالي: http://www.alyaum.com/article/4065632