حضور العادات والمبالغة في الحماية



التطور والتقدم ومسايرة أمم الأرض والانفتاح على الآخر، جميعها مفاهيم وقيم جميلة، ودون شك، السعي نحو تحقيقها واحدة من أهم خطوات الإصلاح لأي منظومة اجتماعية أو اقتصادية وأيضا فيها رافد قوي لأي حركة تنموية تنشد النجاح، ذلك أننا في عالم باتت العزلة من الآخر ذات ثمن باهظ، فالتجارة العالمية تقوم اليوم على التبادل والتعاون والاندماجات، ومن يختار الانفراد أو الابتعاد كأنه يختار التراجع بكل ما تعني الكلمة.

العالم يحتاج بعضه، فما هو متوفر لديك وبكميات كبيرة يقابله حاجتك لمورد آخر ليس لديك، لكنه موجود لدى دولة أو مجتمع بقربك، ويمكن مبادلة السلع أو بيع ما لديك من موارد فائضة عن حاجتك للآخر، وبما تحصده من مكاسب تشتري ما ينقصك.

رغم أن مثل هذه المعادلة بدهية وبسيطة الفهم وقديمة في مجال التجارة، إلا أن تطبيقها دوما يعترضه كثير من العوائق والعقبات، من تلك الصعاب الخوف من الآخر بأن تطغى ثقافته وتهمين على المسلمات والمبادئ والموروث، والخشية من قوة ثقافة الآخر بأن تسقط الثقافة المحلية وتجتاحها، ورغم أن هناك من يعتبر مثل هذه الكلمات قديمة وباتت من الماضي، خاصة ونحن نعيش في هذا العصر، إلا أن الحقيقة حضورها بقوة في أجزاء وأركان كثير من المجتمعات، ويمكن لمسها من خلال إعاقتها التقدم والتطور، لذا نلاحظ ونشاهد بعض الدول تعاني وتتعثر في بعض الجوانب أو تفشل في توفير بعض حاجاتها من الموارد الشحيحة لديها، وهذا الإخفاق أحد أسبابه الخوف الدفين من الأمم الأخرى، أو رواسب الماضي ما زالت في الوجدان والعقل الباطن، وهي تؤثر على الحاضر.

المحافظة على التراث والقيم جوانب مهمة ولا تتقاطع ولا تتعارض مع التطور والتقدم، ويمكن الانفتاح على الآخر مع المحافظة على الجوهر وعلى المبادئ، مثلما حدث في اليابان عام 1984 عندما أمرت الحكومة اليابانية بالتحقيق في أسباب تراجع استعمال أطفال المدارس لعيدان الأكل، وتفضيلهم تناول الطعام بالسكين والشوكة، حيث عملت الحكومة اليابانية على تشجيع هذا التقليد الياباني القديم بأن يكون جزءا من تنمية الطفولة وتربيتها. وقد حققوا نجاحا كبيرا في هذا المجال، بل نشروا عادة تناول الطعام بالعيدان إلى مختلف دول العالم، في اللحظة نفسها استفادوا من الانفتاح على الآخر ولم يكرروا الخطأ القديم في العزلة والتوحش.

أعتقد أن هذا هو النهج الصحيح: تقوية حضور العادات والتقاليد والموروث، وجعلها جزءا من التفكير العام للناس، مع عدم الوصاية والتوجيه والمبالغة في الحماية.


لقراءة المقال من المصدر أضغط هنا