لنستعد بدلا من إضاعة الوقت



نلاحظ مواضيع عدة تطرح بين وقت وآخر وتأخذ حيزا من الحوار والنقاش الذي يتحول لغضب وعراك لفظي، رغم أن هناك مؤشرات لا تحتاج معها لكل هذا التأزم والخصام، وأقصد أن التجارب تفصح عنها والنظرة للمستقبل توضح حالها، من هذه المواضيع الجدال القائم والمستمر عن موضوع الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني، ومثار القضية في سؤال: هل سنشهد زمنا يختفي فيه الكتاب الورقي؟ ثم يتعالى العراك بين من يؤكد حتمية انحصار الكتاب الورقي وزواله أمام من يرفض هذا المبدأ ويقول بأن هناك تأثيرا للحضور الالكتروني لكن لا أحد سيغيب الآخر.

يمتد التضاد بين الفريقين في هذا السياق ويصل لصناعة الورق بمجملها وليس حصرا في الكتاب، وهذا يعني تلاشي المطبوعات الورقية على أنواعها من الصحف والمجلات واختفاء التعاملات الورقية في مختلف تفاصيل حياتنا العملية.

لكن حالة النقاش والجدال ليست حصرا في المؤيدين للطابع المعرفي الالكتروني وتغليبهم لمستقبله على حساب الورقي، وإنما هناك نقاشات أخرى هي أيضا على درجة من الحدية والتعصب في مجالات حيوية وهامة، مثل المجال الإعلامي وما بات يعرف اليوم بالإعلام التقليدي، والذي يرى البعض أنه يشمل مختلف وسائل الاتصال التي كان من خلالها يتم التعبير والتأثير مثل التلفزيون والراديو والسينما، فضلا عن الصحف والمجلات وغيرها من المنشورات المطبوعة. أما الإعلام الجديد فهو المعتمد كليا على شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات والبرامج على مختلف أنواعها وطرقها وأدواتها.

والحق أنه من المبكر القول بأنه قد حدثت عملية إلغاء للتقليدي، إلا أن تأثيرات الالكتروني ماثلة وقوية ولا يمكن المرور عليها أو تجاهل أثرها، بل إن هذه الوسائل الالكترونية الجديدة تزداد حضورا وتأثيرا وانتشارا على حساب جماهيرية تلك الوسائل التي تعودنا عليها.

أذهب بكم نحو صناعة السينما، في هذا العصر نشهد دخول شركات قوية لتقديم خدمات الأفلام والمسلسلات عبر اشتراكات شهرية زهيدة يتم فيها عرض آخر الأفلام وأحدثها، والمفارقة أن ثمن تذكرة واحدة لدخول السينما لمشاهدة فيلم لمدة ساعة ونصف الساعة، يمكن الاشتراك في هذا التطبيق لمدة شهر، لتشاهد مئات الأفلام والمسلسلات بشكل دوري ومستمر وفي أي لحظة وساعة من يومك.

دور السينما التي يكلف بناؤها مبالغ مالية كبيرة وموظفين وصيانة ستزول أمام تطبيق صغير على هاتفك الجوال، الحال نفسها في مطبوعات ومكتبات وقنوات فضائية تكلف الملايين، جميعها ستنحصر وتصبح عاجزة أمام تطبيق يضع العالم بين يديك في اللحظة وبشكل سريع ودون أي رتوش أو تعديلات أو أي تأثيرات.

النقاش والحوار عن التطور والمستقبل الذي يصل في بعض الأحيان لجدال وخصام، لا يتمتع بأي فائدة، ولا يمكن اعتباره حوارا صحيا، يجب الوعي أن الذي تفعله شبكة الانترنت تحولات بطيئة في مختلف تفاصيل حياتنا، والمهم أن نفهم هذا الحراك الخافت الهادئ، ونستعد له بدلا من إضاعة الوقت في الاستماتة في الدفاع عن أدوات وطرق ومناهج حياتية بات الجميع يتفق على تسميتها تقليدية.


لقراءة المقال من المصدر اضغط هنا